المينــاء

طرابلس: “المنطقة الحرة” لاستنهاض اقتصاد الشمال

إنتظر الطرابلسيون ست سنوات كي تعيّن الحكومة مجلس إدارة للمنطقة الإقتصادية الحرة. ففي العام 2008 أقرت حكومة فؤاد السنيورة إنشاءها، وتم اصدار المراسيم التنظيمية في العام 2009، وتضمنت تأليف هيئة إدارية خاصة بها وتعيين مجلس إدارة لها وتحديد هيكليتها. port-tripoli-err4444

يتألف مجلس الإدارة من مدير عام وستة أعضاء وأربع دوائر. ما حصل أنه تم تأجيل تعيين مجلس إدارة المنطقة الإقتصادية بسبب أمور متعلقة بمجلس الخدمة المدنية، وبسبب عدم وجود رئيس أصيل له، وخصصت لهذه المنطقة موازنة بقيمة 3 ملايين دولار كانت ستسمح بانطلاق العمل فيها منذ ذلكالوقت.

لكن بقاء هذه المراسيم في الأدراج مجرد أوراق مخطوطة،
دفع بكثيرين إلى اليأس من تحقيق هذا الحلم، وهو من المشاريع التي تصنف من ضمن ما يعرف في مجال الإقتصاد بـ”ميغا بروجكت” mega projects، إلا أنّ الأمل عاد إلى أهل المدينة وجوارها، بعد أن تصدّر المشروع الواجهة منذ أقل من أسبوع، إثر تعيين الحكومة مجلس إدارة للمنطقة الاقتصادية الحرة، سترأسه الوزيرة السابقة ريّا الحسن.

مشروع ضخم

المشروع الذي من المقرر إقامته ضمن مساحة تصل الى 550 ألف متر مربع، سيكون من المشاريع الأكثر أهمية وفعالية في تغيير بنية إقتصاد الشمال، اذا ما تم تنفيذه بالسرعة المطلوبة، حيث وضعت له فترة زمنية لا تتعدى الثلاث سنوات، وهو أمر يشك متابعون للملف في إمكان حصوله.

ويؤكد الناشط الاجتماعي، الذي شارك في المخطط التوجيهي لمدن المتوسط الدكتور سامر أنوس لـ”المدن” ان “المنطقة الحرة ستقام فوق قطعة من الأرض يفترض أن تردم في البحر قرب مرفأ طرابلس، وهي منطقة ستشكل نقلة فعالة من أجل تدعيم القطاعات الإقتصادية في طرابلس، واستقطاب إستثمارات ورجال أعمال وكفاءات وتأمين فرص عمل كبيرة، تصل إلى 4000 فرصة عمل”، موضحاً أنّ “على القيادات الطرابلسية الإتفاق على هذا المشروع ودعمه وتأسيس أرضيته السياسية والأمنية لانجاحه، لأنه من الممكن ان يحقق دفعاً كبيراً لاقتصاد الشمال عموماً، وطرابلس خصوصاً”.

وأشار أنوس الى انه على “فريقي (الرئيس سعد) الحريري و(الرئيس نجيب) ميقاتي العمل على تسيير عمل المشروع ليبصر النور، وعدم إدخاله في سجالهم السياسي، لاسيما ان هناك بوادر محاصصة تطفو على وجه المشروع، ومن الممكن ان تعزز حضورها في التنافس على الزعامة الشمالية”.

والمشروع الذي يبدو أنه مدعوم من الرئيس سعد الحريري، وهو يعدّ من حصة المشاريع، التي إذا نجحت، ستحسب على فريقه، سيقام في مرفأ طرابلس ضمن مساحة 50 هتكاراً. ويمكن أن تستوعب هذه المنطقة من 40 إلى 80 مصنعاً. وتوفر أماكن محددة لإنشاء المصانع، كما توفر لها كل ما تحتاجه من كهرباء وطرقات ومياه وصرف صحي. ويكون فيها رقابة جمركية ومبنى الهيئة الإدارية. وستكون المصانع كناية عن “هنغارات” أرضيتها من الباطون المسلح وجدرانها من الألمنيوم أو غيره من المواد القابلة للتفكيك وإعادة التركيب. تُفرز المنطقة على مساحات محددة، مساحة كل واحدة منها 500 متر مربع. ويمكن للمستثمر ان يستأجر وحدتين أو أكثر حسب حاجته. أمّا عن نوعية المصانع التي يمكن إنشاؤها فيها فهي ستكون متناغمة مع محيط تلك المنطقة الاقتصادية.

 

تعزيز الصناعة

تعزز هذه المنطقة الحرة الصناعات الصغيرة التي يمكن أن تتطور وتفعَّل أكثر، وتساهم في إشراك اليد العاملة اللبنانية. ويمكن ان تحرك المستثمرين نحو طرابلس التي تعاني جموداً اقتصادياً. وانشاؤها خارج العاصمة بيروت يأتي ضمن تحقيق الإنماء المتوازن، حيث تكون طرابلس مفتاحاً لتنمية الشمال، فالمنطقة المزمع اقامتها ليست محصورة بالمدينة وبحدودها الجغرافية وببلديتها، إنما تمتد إلى شكا وأنفة وأميون وزغرتا والقبيات.

ولحظت الدراسة التي وضعت من أجل هذه المنطقة ثلاثة مواقع أخذتها في الإعتبار: الموقع الأول هو مرفأ طرابلس، خصوصاً بعد أن تم تعميق حوضه وردم 50 هكتاراً منه. الموقع الثاني الذي طرح في الدراسة هو مطار القليعات. أما الموقع الثالث المقترح فكان معرض رشيد كرامي الدولي. لكن نوعية الصناعات التي ستكون داخل تلك المنطقة هي من تحدد مكان إنشائها. “لا يمكن تصميم الأزياء وتصنيعها في مرفأ طرابلس أو صناعة الأغذية، خصوصاً أنّ ما يحيط المرفأ هو مكب النفايات والمسلخ ومحطة تكرير المياه الآسنة. إذاً الصناعات التي يمكن ان تكون في حرم مرفأ طرابلس وتتناسب مع محيطه، هي صناعات بلاستيكية ومعدنية وكيماوية كدباغة الجلود، في حين يمكن أن نصنّع ما نريده في سهل عكار لعدم تلوث محيطه”، بحسب أنوس.

بينما معرض رشيد كرامي البالغة مساحته 100 هتكار تقريباً، يعتبر تحفة معمارية وهندسية وقد صمّمه المهندس الإيطالي المشهور أوسكار نيماير، بالرغم من التشويه الحاصل فيه. لهذا وانطلاقاً من قيمته الهندسية وموقعه في وسط المدينة لا يمكن أن تنشأ فيه صناعات كهذه، “بل يجب أن يخصَّص لنشاطات جامعية أو ليكون مكاناً صالحاً لاستحداث مدينة تكنولوجية. وأقرب موقع لإنشاء المنطقة الإقتصادية تم الاتفاق عليه في مرفأ طرابلس. فالأرض التي رُدِمت فيه هي ملك للدولة، بينما في عكار فالدولة ستكون مضطرة الى شراء الأرض”، وفق ونوس.

 

تشغيل عمالة واسعة 

ويؤكد أنوس ان “هذه المنطقة ستؤمن عمالة مباشرة تصل الى 3000 فرصة عمل، كما أنه في حال كانت تلك المنطقة ناشطة، فسيكون هناك عمالة غير مباشرة”، ويتخوف من الماطلة في تنفيذ المشروع “الذي قد يكون اسناده الى مجلس الانماء والاعمار سبباً في تأخيره، والتجارب السابقة خير دليل على تأخر مشاريع كثيرة في طرابلس بسبب عدم اعتناء فريق المجلس بها وبالمهلة الزمنية المزمع تنفيذها ضمنها”.
الى ذلك، يضم مجلس الإدارة شخصيات لديها خبرة في هذا المجال، وهو مكوّن من: ريا الحسن (رئيسة لمجلس الإدارة ومديرة عامة)، والأعضاء: جهاد أزعور (وزير سابق) ورمزي أمين الحافظ (مهندس صناعي) وأنطوان رفلة دياب (رجل أعمال) ووسيم منصوري (محام بالاستئناف) وأنطوان حبيب (مدير سابق لمرفأ طرابلس) وعشير بسام الداية (محام).
ويتضح من الأسماء المذكورة أنها تضم وزيرين سابقين (الحسن وأزعور) ومديراً سابقاً لمرفأ طرابلس (حبيب) وأسماءً لديها خبرة معروفة في هذا المجال (الحافظ ودياب ومنصوري والداية).
ويأتي تعيين مجلس إدارة المنطقة الإقتصادية في وقت يشهد فيه مرفأ طرابلس تطوراً لافتاً في أدائه، وارتفاعاً ملحوظاً في حركة البواخر القادمة إليه أو المغادرة منه، وفي حجم البضائع المستوردة والمصدرة، ما سيجعل المرفأ بعد إنشاء المنطقة الإقتصادية الحرة يشهد تطوراً إضافياً.

 


Archives